.. تكملة للجزء الثاني
كيـف ابتدأت الفتنــة و كيـف انتهــت
من الشائع المتواتر الذي عرفته حتى الجرائد الباريسية فنشرته جريدة "لاكسيون فرانسيس" أن الفتنة ابتدأت بسبب طلق أبناء الزاوي اليهود الحاملين للسلاح.
حضر الدكتور جلول لرحبة الصوف و الفتنة على أشدها فدخل المعمعة يهدئ الناس من ناحية و يضمد الجراح من ناحية أخرى و كانت حالة الناس - و هم يسمعون دوي الرصاص و يشاهدون الجرحى يتساقطون منهم- أعظم من أن تهدأ. و مع ذلك استطاع الدكتور جلول أن يرد الناس عن الهجوم على الشارع حومة اليهود و لولاه لكان ذلك الجمع مصبحا اليهود في شارعهم شر صباح.
انتشر الخبر في البلد و ماجت الأنهج بالناس و كثر ضرب اليهود الرصاص من النوافذ ، فانكب الناس على دكاكين اليهود التي كانت مقفلة يوم الأحد يكسرون أبوابها و يمزقون ما فيها من قماش و يهشمون ما فيها من أثاث و يمزقون الأوراق المالية و أطلقوا النار في بعضها و قتلوا نيفا و عشرين نفسا و فرغوا من عملهم نحو الساعة الثانية.
استنتـاج و تعليــل
- فتح أسواق الخضر الإسلامية كعادتها و تعاطى المسلمون البيع و الشراء مع اليهود و اليهوديات دليل قاطع على أن المسلمين كانوا قد اطمأنوا و أمنوا و على أنهم ما كانوا عازمين على شيء من الشر لليهود.
- ابتدأ أبناء الصافي بضرب الرصاص و رؤية المسلمين السلاح بيد اليهود و الرصاص يتهاطل من نوافذهم و هم لا سلاح لهم بعث فيهم الرعب و الحنق فاندفعوا ذلك الاندفاع القوي السريع المحطم.
- غريزة الدفاع عن النفس فطرية في الإنسان بل في جميع الحيوان فإذا أحس بالخطر فإنه يعمل أعمالا في غير وعي لا يستطيع أن يعملها لو ما أحس به من الخطر و ما تحرك فيه من غريزة الدفاع عن النفس فقد يجري الإنسان فارا أمام حيوان يريد افتراسه بمقدار من السرعة لا يستطيعه أبدا في غير تلك الحال. فالإنسان الأعزل الذي لا سلاح معه عندما يرى خصمه مسلحا و يشاهد الرصاص منطلقا من سلاحه يحس بخطر محقق داهم فتتحرك فيه غريزة الدفاع عن النفس فينبعث عن غير وعي فينقض على خصمه انقضاض المستميت فربما قضى عليه رغم سلاحه.
هذا في الفرد في الناس أما في الجموع منهم فإن المسألة تكون أروع لأن الجماعة لا تعمل بفكر و إنما تعمل عن عاطفة فإذا خافت على نفسها و اندفعت بغريزة الدفاع عنها فإنها تأتي في تلك الحالة بما لا تتصوره العقول.
بهذا التقرير العلمي النفسي نعلل ما كان من الجماعة المسلمة العزلاء من السلاح أمام اليهود المسلحين في اندفاعها و ما أتت به من أعمال مروعة.
و لعلمنا بهذه الحقيقة العلمية النفسية كنا حريصين أمام القائم مقام البريفي( ممثل الوالي) على نزع السلاح من اليهود و قد أمرت السلطة أعوانها بنزع السلاح من المارة في الأزقة و لكن بعد فوات الوقت فالذين قاموا بتلك الأعمال من المسلمين لم يكونوا مندفعين إليها بحقد على اليهود ولا بعامل ديني و لا ببغض جنسي و إنما كانوا مندفعين بغريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح.
- نعم كان المسلمون يسمعون دائما سب دينهم و نبيهم من اليهود و خصوصا من النساء و كانوا يلقون منهم سوء المعاملة خصوصا من النساء في سوق الخضر و كانوا يشعرون بتسلطهم في دوائر الحكومة و على رجال بارزين من الساسة الفرنسيس و يعلمون تغلبهم في الوظائف حتى على الفرنسيس أنفسهم و حسبك أن موزعي البريد ببلدة قسنطينة منهم ثلاثة ونيف و من الفرنسيس خمسة و من المسلمين واحد و لكن هذا كله ما كان ليبعثهم على ما انبعثوا إليه لو لم تتحرك فيهم غريزة الدفاع عن النفس أمام الخطر المسلح بل كان كله مما أسكن في قلوبهم الخوف و الاستسلام للواقع.
- قتل من اليهود نيف و عشرون كان منهم خمسة نسوة و ستة من الصبيان و كان المعتدون لما يشتد الرمي بالرصاص من النوافذ و من أيدي بعض النساء في بعض الجهات يصعدون للمنازل فيبطشون بمن فيها عن غير تمييز و كان قتل النساء و الصبيان دليلا على أن المعتدين لم يكن اندفاعهم عن عقيدة الإسلام الذي هو معلوم مشهور عند أهله أنه يحرم قتل النساء و الصبيان حتى في الحرب المشروعة و على أن تلك الفظاعة هي من آثار الجهل و تلك الحالة النفسية الخاصة الطارئة لا من آثار الإسلام.
المصائـب على الجانبيـن
- إذا كانت دكاكين اليهود قد أصيبت بما أصيبت فإن دكاكين المسلمين التي في حومة اليهود قد أصيبت كذلك و إذا كانت خسائرها قليلة فذلك لأنها قليلة و لأنها ضعيفة كأصحابها الضعفاء بخلاف دكاكين اليهود فقد كانت خسائرها كثيرة لأنها هي كثيرة و لأنها قوية كأصحابها الأقوياء.
و إذا كان القتلى من اليهود نيفا و عشرين و من المسلمين اثنين فالفضل لمسدسات اليهود التي خانتهم عند الضرب فالمطر الوابل من الرصاص الذي نزل من مسدساتهم ما قصدوا به إلا القتل و إزهاق الأرواح بلا فرق بين من في الأنهج من رجال و نساء و شيوخ و صبيان و جنود و قد جرحوا بالفعل نحو الأربع من الصبيان و جرحوا جنديين أو ثلاثة فلو صحت من اليهود في الرمي زنودهم كما صحت في القتل قصودهم - لكان القتلى من المسلمين كبارا و صغارا - يعدون بالمئات و ليس من قصد القتل و ارتكب سببه و لم يتم له ما قصد لمانع - دون من قتل بالفعل في الجرم.
أما عدد الجرحى فقد تساوي أو تقارب من المسلمين و منهم فكان من الجانبين نيف و عشرين و كان كثير من جرحى المسلمين بسلاح الجند مما يدل على أن الجنود و إن لم يطلقوا الرصاص لعدم الإذن لهم بذلك فقد دفعوا الناس بالسلاح الأبيض.
ليلــة الاثنيــن و يومـها
أعلن الحصار و منع المرور بالأنهج إلا بورقة المرور.
و في مساء الاثنين رغبت مني دار البريفي ( مقر الولاية ) بواسطة إنسان له مقام عندي أن أذهب إلى عين البيضاء لتهدئة الناس و لما كان هذا من أعمال الخير التي وقفت لها نفسي أجبت الطلب و صحبني السيد عمر ابن الموفق ليباشر هو الناحية الإدارية و رجالها و أباشر أنا ناحية الأمة . و لما وصلنا إلى عين البيضاء في منتصف الليل بقيت في السيارة و نزل السيد عمر إلى دار المير( دار البلدية ) و بعد نحو ساعة رجع إلي يقول: إن بعض النواب يرون أنهم قد قاموا بتهدئة الناس و أن دخول غيرهم ربما يشعر بتقصيرهم في واجبهم فقفلنا راجعين .
و قد علمنا بعد ذلك من حوادث عين البيضاء أن شرطيا يهوديا أطلق الرصاص على ولد صغير مسلم أرسله أبوه لشراء الغاز و هذا الولد جيء به إلى مستشفى قسنطينة و توفي به . و أن النائب العمالي بن بومالي قدم استعفاءه للبريفي ( الوالي ) احتجاجا على تكليف غيره بتهدئة الناس.
في ليلة الاثنين جدد اليهود اعتداءهم ، و على بيوت الله
يقع مسجد سيدي الكتاني في رحبة سوق العصر في وسط حومة اليهود ففي ليلة الاثنين هاجمه اليهود فكسروا أربعة أو خمسة من نوافذه و هشموا التخاريب التي على أحد أبوابه و قد حققت ذلك إدارة الأمن و أثبتت فيه تقريرا رسميا.
استنتاجـــات و ملاحظـــات
- أجبنا رغبة اليهود لما دعتنا إلى فعل الخير و مددنا يدنا للتعاون معها على ذلك . فهل علمت من ذلك أننا دعاة خير و سعاة إحسان . و هل هي بعد ذلك تستطيع أن تخلي بيننا و بين ما نقوم به مما هو أصل كل خير ألا و هو نشر العلم و الدين ؟
- أما النواب الذين زعموا ذلك الزعم فأحسب أن الأنانية حالت بينهم و بين فهم معنى التعاون و إلا فإن القائم بواجبه مهما كان مقدار قيامه فإنه لا يأنف من إعانته فيه محبة في تحقيق ذلك الواجب على أكمل وجوهه لكنه هذا إذا كان قيامه بالواجب لأجل الواجب نفسه لا لشائبة من حظه و غرضه .
و أما النائب الذي قدم استعفاءه و تحمس هذا التحمس فإننا كنا نود أن لو كان عنده هذا الحماس و هذه الغيرة و الحمية في مواطن أخرى كان فيها حضرته باردا و مبردا و لا حاجة لنا إلى تعريفه بهذه المواطن فالناس كلهم على علم بها و على ذكر منها . و نحن و إن كنا نرى حماسة هذه في غير محلها فإننا نتفاءل لحضرته بها خيرا و نرجو أن تدوم له في مواقفه القادمة في حياته العامة إن قدر له العود إليها .
قتل اليهودي الشرطي ولدا صغيرا رميا بالرصاص !! و هل نحتاج بعد هذا إلى دليل على روح العداء و التعدي ؟ و من الثابت أيضا أن بعض الشرطة اليهود بقسنطينة أطلقوا الرصاص و أن شرطي اسمه علوش سكر و قال سأضرب و أفعل و أفعل فعزل من الشرطة لثبوت ذلك عليه . فاذكر هنا ما تقدم عن ليلة السبت بقسنطينة و كيف وقف الشرطيان المسلمان أمام دار اليهودي إلياهو أصل الشر و البلاء يحرسانه، و قس بين الروح و الروح و التربية و التربية .
صبيحــــة الثلاثـــاء
استدعى الوالي العام وفدا من المسلمين و ألقى عليهم خطابا دل على وقوفه موقف الحاكم العادل الذي يريد أن يعرف الحقيقة لذاتها فقدموا الدكتور جلول فألقى خطابا جامعا صور فيه الواقعة تصويرا فوتوغرافيا نظن انه أبلغ و أصدق ما سمع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ